ابو القاسم عبد الكريم القشيري
416
لطائف الإشارات
هم اليوم في عقوبة الجحد ، وغدا في عقوبة الردّ . اليوم هم في ذلّ الفراق ، وغدا في أليم الاحتراق . قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 107 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً ( 107 ) لهم جنات معجّلة سرا ، ولهم جنان مؤجلة جهرا . اليوم جنان الوصل وغدا جنان الفضل . اليوم جنان العرفان وغدا جنان الرضوان . قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 108 ] خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً ( 108 ) عرّفنا - سبحانه - أن ما يخوّله لهم غدا يكون على الدوام ، فهم لا ينفكون عن أفضالهم ، ولا يخرجون عن أحوالهم ؛ فهم أبدا في الجنة ، ولا إخراج لهم منها . وأبدا لهم الرؤية ، ولا حجاب لهم عنها « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 109 ] قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً ( 109 ) أي لا تعدّ معاني كلمات اللّه لأنه لا نهاية لها ؛ فإنّ متعلقات الصفة القديمة لا نهاية لها ؛ كمعلومات الحقّ - سبحانه - ومقدوراته وسائر متعلقات صفاته . والذي هو مخلوق « 2 » لا يستوفى ما هو غير متناه - وإن كثر ذلك . قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 110 ] قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ( 110 )
--> ( 1 ) القشيري من الباحثين الذين يصرحون بالرؤية بالأبصار في الآخرة ، أما في الدنيا فيقول : الأقوى فيه أنه لا يجوز ، الرسالة ص 175 . ( 2 ) يفصد ( البحر ) إذا صار مدادا ؛ فالبحر يتناهى . وكلمات اللّه لا تتناهى .